محمد بن جرير الطبري

65

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عليه وسلم أنه قال : " من زاد أو ازداد بعيرا " يعني في إبل الديات وفرائضها " فمن أمر الجاهلية " . وأما إحسان الآخر في الأَداء ، فهو أداء ما لزمه بقتله لولي القتيل على ما ألزمه الله وأوجبه عليه من غير أن يبخسه حقا له قبله بسبب ذلك ، أو يحوجه إلى اقتضاء ومطالبة . فإن قال لنا قائل : وكيف قيل : فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ولم يقل : فاتباعا بالمعروف وأداء إليه بإحسان كما قال : فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ ؟ قيل : لو كان التنزيل جاء بالنصب ، وكان : فاتباعا بالمعروف وأداء إليه بإحسان ، كان جائزا في العربية صحيحا على وجه الأَمر ، كما يقال : ضربا ضربا ، وإذا لقيت فلانا فتبجيلا وتعظيما غير أنه جاء رفعا وهو أفصح في كلام العرب من نصبه ، وكذلك ذلك في كل ما كان نظيرا له مما يكون فرضا عاما فيمن قد فعل وفيمن لم يفعل إذا فعل ، لا ندبا وحثا . ورفعه على معنى : فمن عفي له من أخيه شيء فالأَمر فيه اتباع بالمعروف ، وأداء إليه بإحسان ، أو : فالقضاء والحكم فيه اتباع بالمعروف . وقد قال بعض أهل العربية : رفع ذلك على معنى : فمن عفي له من أخيه شيء فعليه اتباع بالمعروف . وهذا مذهب ، والأَول الذي قلناه هو وجه الكلام ، وكذلك كل ما كان من نظائر ذلك في القرآن فإن رفعه على الوجه الذي قلناه ، وذلك مثل قوله : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ وقوله : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وأما قوله : فَضَرْبَ الرِّقابِ فإن الصواب فيه النصب ، وهو وجه الكلام لأَنه على وجه الحث من الله تعالى ذكره عباده على القتل عند لقاء العدو كما يقال : إذا لقيتم العدو فتكبيرا وتهليلا ، على وجه الحض على التكبير لا على وجه الإِيجاب والإِلزام . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ يعني تعالى ذكره بقوله ذلك : هذا الذي حكمت به وسننته لكم من إباحتي لكم أيتها الأَمة العفو عن القصاص من قاتل قتيلكم على دية تأخذونها فتملكونها ملككم سائر أموالكم التي كنت منعتها من قبلكم من الأَمم السالفة ، تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ يقول : تخفيف مني لكم مما كنت ثقلته على غيركم بتحريم ذلك عليهم ورحمة مني لكم . كما : حدثنا أبو كريب وأحمد بن حماد الدولابي قالا : ثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية ، فقال الله في هذه الآية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ إلى قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فالعفو أن يقبل الدية في العمد ، ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ يقول : خفف عنكم ما كان على من كان قبلكم أن يطلب هذا بمعروف ويؤدي هذا بإحسان . حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا عبد الله بن المبارك ، عن محمد بن مسلم ، عن عمرو بن دينار عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : كان من قبلكم يقتلون القاتل بالقتيل لا تقبل منهم الدية ، فأنزل الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ إلى آخر الآية ؛ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ يقول : خفف عنكم وكان على من قبلكم أن الدية لم تكن تقبل ، فالذي يقبل الدية ذلك منه عفو . حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، قال : أخبرنا عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس : ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ مما كان على بني إسرائيل ، يعني من تحريم الدية عليهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : كان على بني إسرائيل قصاص في القتل ليس بينهم دية في نفس ولا جرح ، وذلك قول الله : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ الآية كلها . وخفف الله عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقبل منهم الدية في النفس وفي الجراحة ، وذلك قوله تعالى : ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ بينكم . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ وإنما هي رحمة رحم الله بها هذه الأَمة أطعمهم الدية ، وأحلها لهم ، ولم تحل لأَحد قبلهم . فكان أهل التوراة إنما هو القصاص أو العفو ، وليس بينهما أرش . وكان أهل الإِنجيل إنما هو عفو أمروا به ، فجعل الله لهذه الأَمة القود والعفو والدية إن شاءوا أحلها لهم ، ولم تكن لأَمة قبلهم . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بمثله سواء ، غير أنه قال : ليس بينهما شيء . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى قال : لم يكن لمن قبلنا دية ، إنما هو القتل أو العفو إلى